عبد الجواد خلف

194

مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن

حفظ كلامه ، ومعرفة كتبه ومصنفاته من أن يعرفوا ما صنفه أولا وآخرا . وحال القرآن في ذلك أمثل ، والحرص عليه أشد غير أنه لم يكن من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال : اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا وبالمدينة كذا ، وفصّله لهم . ولو كان كذلك منه لظهر وانتشر ، وإنما لم يفعله لأنه لم يؤمر به ، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة ، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ ليعرف الحكم الذي تضمنهما ، فقد يعرف ذلك بغير نصّ الرسول بعينه ، وقوله هذا هو الأول المكي ، وهذا هو الآخر المدني . وكذا الصحابة والتابعون من بعدهم لمّا لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكي والمدني مما لا يسوغ الجهل به لم تتوفر الدواعي على إخبارهم به ، ومواصلة ذكره على أسماعهم ، وأخذهم بمعرفته ، وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف في بعض القرآن هل هو مكي أو مدنى ، وأن يعملوا في القول بذلك ضربا من الرأي والاجتهاد . وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكي والمدني ، ولم يجب على منّ دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه : مكية أو مدنية . فيجوز أن يقف في ذلك ، أو يغلب على ظنه أحد الأمرين . وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا أو شهرته في الناس ولزوم العلم به لهم ، ووجود الارتفاع فيه » انتهى كلام الباقلاني « 1 » . وإذا أنت - أيها القارئ - فهمت هذه العبارة خلصت إلى نتيجة وهي : لا يروعنك اختلاف الصحابة في ترتيب السور كما حدث في مواقف كلّ من أبىّ ابن كعب ، وابن مسعود وغيرهما ، إذ لم يكن خلافهما يؤدى إلى شئ من الانزعاج ، ويبقى الأمر بعد ذلك على الاجتهاد والاستقراء العقلي ، وهو ما جعل كثيرا من الباحثين يضعون القواعد والضوابط النظرية لتحديد المكي من المدني ، وسنذكرها فيما يلي :

--> ( 1 ) البرهان في علوم القرآن للزركشى 1 / 191 - 192 .